أركون والبحرين: انخطاف فأبوّة فبراءة من الله

سبتمبر 23, 2010 عند 7:03 ص | أرسلت فى Profile | تعليقات

أركون: البحرين 2007 غير البحرين 2002

كيف يمكن أن تقف عند مشهد موت محمد أركون من دون أن تتذكره؟ وكيف يمكن أن تتذكره من دون أن تلجأ إلى تركيب صورة شخصية ما معه على أنقاض الصورة العمومية الموزعة على أشكال الحوار التي ربطتك بمشروعه، عبر القراءة فالتمثل فاتخاذه أباً مؤمثلاً ومن ثم بعد كل ذلك قتله طواعية، لا استيئاساً من عمق الهامش المعرفي الذي مثله ويمثله، لكن لأنك غادرت المنطقة أصلاً! منطقة العقل الديني بإشكالياته، كما منطقة الحقل الديني، بمعاركه وسجالاته. ومع الموتى يحصل باستمرار، أن نقوم بتحضير الشخصي، فإن لم يوجد ركّبناه. وهي استراتيجية تهدف إلى استملاك جزء من الرمزية المشهدية للميت، وهو من هو في حالة  ميتنا، أو اختلاق ضرب من الخصوصية معه، على سبيل حفظ التوازن النفسي، ليس إلا.

والحال، فقد وجدت نفسي، في واحدة من استراتيجيات حفظ التوازن، أستعيد تلقائياً، حال قراءة رحيل أركون شريطاً مرسلاً عبارة عن صور مسحوبة من “نيجاتيف” هذا الشخصي، أو تنويعاً ظافرياً عليه. لقاءه أول مرة في العام ٢٠٠٢ من خلال محاضرة “كيف ندرس الفكر الإسلامي اليوم؟” (٢٥ فبراير/ شباط ٢٠٠٢) مع ما رافق هذا اللقاء، أو قل تلاه، من مماحكات مع أحد أوجه الظاهرة الإسلامية. هو غالباً الوجه الكريه، العنيف والدوغما المغلقة.

لكن الأهم من ذلك، وأهم لأن الممانعة ضداً على “نزع القداسة عن التراث” ينبغي أن تكون حاضرة في ذهننا باستمرار فيما يسميه هو “مجتمعات التقديس والعنف والحقيقة”، هي، كيفية استقبال أركون نفسه لهذا اللقاء. فقد فوجيء، وأقول فوجيء بلا حذر معرفي، حيث عايشت بنفسي أحد أوجه هذه الفجاءة، من حجم تلقيه في بلد صغير يقع على الهامش من الجغرافيا والفعالية التاريخية في مستوى بيئات الفكر، سواءً بسواء. (أنظر إلى الأمر الآن بعد مرور ثماني سنوات أن أركون أخطأ في تفاؤله. كما أخطأ من قبله الناقد السعودي عبدالله الغذامي في الرهان على جيل حداثي يحرث على أرض النقد الثقافي من خلال منفذ البحرين!). وسَرّه أن يكون منطلق هذا التلقي، موزاييك شبابي، وعاملون في غرف الأكاديميا، عرف فيما بعد، إسهامه الضافي في إحداث نقلات في حياتهم، وحتى انقلابات، أو بعضهم في الأقل، من خلال الهرْف من المتن الثرّ الذي شكلته “إسلامياته التطبيقية”. والتي تقوم على الحراثة في أرض التراث، بالغة التقديس، من خلال الإمكان الذي وفرته علوم الإنسان الحديثة، بالغة العلمنة والدنيوية.

أقول إن أركون فوجيء، وأخص بالذكر ها هنا كتاب “الخروج على الحس المشترك: قراءات في مشروع أركون” (2002)، الذي أصدره ثلة من الشباب المتلقي لأفكار أركون في مناسبة زيارته. وهو قد عبر عن وجه الفجاءة في الكلمات البسيطة التالية التي استهل بها “سيمينار” خاص معه: “تفاجأت لأول مرة عندما جئت لهذا البلد، باهتمامكم وبتلقيكم لهذه الأفكار. وسررت لأنكم شباب كتبتم هذا الكتاب” (حصاد البحرين الثقافي، إصدارات جريدة الأيام، ٢٠٠٢). لاحقاً كما صرنا نعرف الآن، سيقع الكتاب بين يدي أحد الرمزيات الدينية، ليطلق في إثر منه، قولته الشهيرة عبر خطبة يوم الجمعة: “كتب أركون لا مالية لها، تحرق وتمزق” (الجمعة، ١٤ يونيو/ حزيران ٢٠٠٢). ويبدو أن البحرين لم تغادر أركون، حتى مع رحيله جسداً عنها. على الأقل في غضون الأسابيع القليلات التالية لزيارته. وقد نقل الروائى السعودي المقيم في فرنسا أحمد أبو دهمان، صاحب “الحزام” وأحد تلامذة أركون دائمي اللقاء به، في زيارة إلى البحرين بعد أشهر من زيارة أركون، مارواه له الأخير من انطباعات، بالغة الإيجابية، ومرة أخرى المتفاجئة. فقد غادر منأخذاً من البحرين. قال “كان أركون مبتهجاً لأنه وجد قراء له في مكان لم يكن يتوقعه، ألبتة… الخليج” (حوار مع أحمد أبو دهمان، 24 مايو/ أيار 2002).

وعلى ما عبر أركون نفسه في اتصال مع الزميل علي الديري، فقد أدهشه أن يشهد حصاد زرع أفكاره في الأرخبيل الصغير الذي لا يكاد يرى وسط حوض الخليج. أو أن يقرأ من خلال كتاب ناجز سير شباب تحكي مأثرة الانتقال، من واسطة الإمكان الذي وفرته حراثته على أرض العقل الديني، من سياقات دينية التكوين إلى سياقات تكشف عن مواظبة دءوبة على الحرث النظري من أرضية العلوم الإنسانية.

قلت إن هذا كان لدى زيارة أركون أول مرة، في العام ٢٠٠٢. والتدقيق في التاريخ واجب هنا، حيث كانت البحرين، إلى جانب ما ظهر من التلقي العريض لأركون، والذي سلفت الإشارة له، تعيش أيضاً، في اللوحة الكبيرة المعشقة، إلى جانب كل ذلك، عرساً حقيقياً، فيما وفرته لحظة الميثاق والانفراج الأمني من أجواء كانت حبلى بآمال الآملين، أن تسهم هذه التغييرات في إنجاز تحول ديمقراطي حقيقي، أي ليس بكلام الإنشاء.

والحاصل، ففي زيارة أركون اللاحقة ٢٠٠٧ تكشف الحال عن صورة مختلفة كلية. فأركون قد غادر مكدراً،  ومكدراً جداً، بل منزعجاً. أما التحول الديمقراطي المرتجى فقد انتهى إلى حيص بيص: هيمنة أصولية مثلثة الأضلاع، سنة وشيعة وكراهية متفجرة، ومن جهة أخرى… سلطة لاعبة على الحبلين! كان أركون يقول وهلة لقائه الثاني بالبحرين، وتمشياً فيما بدا مع أفق تلقيه الأول “لا يستطيع المرء العودة إلى مكان ما لم يكن قد أحبه” مثلما عبر في خلوة معه. لكن لاحقاً، حين انكشف له مشهد “الحبيب” على تفصيلات مستجدة، روّعت المحب، عاد كي يمحض رأياً حذراً عبر هذا الاستدراك الصغير، لكن ذي المغزى “فوجئت بحجم الصراعات الواقعة بين المكونات الاجتماعية في البحرين، الشيء الذي لم يبن لي بوضوح في الزيارة الأولى” حسب حيثيات حوار مع كاتب هذه السطور.

وقد بدا  ما دعاه “صراع المكونات الاجتماعية” واضحاً، باديء ذي بدء، من سيماء المحاضرة “المحرقية” التي قدمها تحت عنوان “قضية الأنسنة في المجتمعات الغربية والمسلمة المعاصرة” (١٣ مارس/ آذار ٢٠٠٧). وقد صدمه، غضون النقاش الذي تلا ذلك، أن ما دعاه ذات مرة جورج طرابيشي “خطاب الردح التهييجي”، تعقيباً على اختيار قناة الجزيرة داعية دينيا، إبراهيم الخولي، لمناظرة أستاذ في المفاهيمية على النحو الذي كانه أركون، أن هذا الخطاب لم يجرِ، هذه المرة، على ألسنة خصومه التاريخيين، الأرثوذكسيات الدينية وسواهم، ممن تمسهم اشتغالاته بشكل أو آخر؛ إنما جرى على ألسنة جامعيين وأساتذة أكاديميين. عبر ما ظهر من مداخلتي الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية في جامعة البحرين الدكتور منذر عياشي، وأستاذ الهندسة المدنية والعمارة بكلية الهندسة الدكتور مصطفى بن حموش. (اتهماه بالتعبير عن موقف أيديولوجي ونفي قداسة القرآن). ما اضطر زوجة أركون، لاحقاً بعد مضي وقت من النقاش، أن تتدخل طالبة وضع حد للمناكفة، خشية على صحته.

مصدر انزعاج أركون كان، كما عبر تالياً “لجوء أساتذة جامعيين إلى أساليب جدلية محضة في النقاش”. في حين بنظره “هذا لا يجوز”.

وفي سياق الصورة الشخصية المركبة، وهي قد غدت الآن صورة مكبرة لهامش جغرافي”كان قدره أن يتحلى بفضيلة الاستماع”، كما سبق لمحمد جابر الأنصاري أن عبر، لولا أن هذا الهامش قد بدأ يضيق، ويتضاءل ضمن متوالية هندسية تضخمية. في السياق هذا كانت هذه نصيحة أركون الأثمن لاثنين من تلامذته: “لا تنشغلوا بنقد الخطابات المحلية، بل تجاوزوها إلى نقد الخطابات الإسلاموية في جميع المجتمعات الناطقة باللغة العربية”. منذ هذه اللحظة سيكون هذا محط خلافي مع صديقي علي الديري، وتلك قصة أخرى ليس هذا مكانها. رحم الله محمد أركون، المعتزلي الأخير وأستاذ المفاهيمية. وطبعاً… الأب المؤمثل قبل قتله طواعية في الملهاة الأوديبية.

تعليقات »

خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه التدوينة. عنوان التتبع

  1. الغريب أن يتحول الحداثي إلى إسلاموي مزواج كما في حالة الأستاذ المساعد في قسم اللغة العربية .. والأغرب من ذلك اعتقاده بأنه ما زال يحمل لواء الحداثة في الجامعة

  2. من هذا؟ أفدنا مما آتاك الله من العلم.


اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى WordPress.com. | Theme: Customized Pool by Borja Fernandez.
المدخلات و تعليقات feeds.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.